في البحث المحموم عن القداسة

أتمشى في مهرجان القاهرة .. اسمع أحدهم أو إحداهن تتحدث عن فيلم ما ستراه.. بدون كثيرٍ من التفكير أدخل للقاعة.. أحيانا كثيرة أجد نفسي وحيدا بين غرباء.. تنزل التترات و يصمت الجميع. عادة القاعات ممتلئة – وفي أوقات هي مكتظة – احاول نسيان ما يحدث حولي، ما يحدث خارج القاعة وخارج دار الأوبرا. وأنزلق داخل الكرسي في صمت. 

كلما انتهى فيلم ذو خصوصية التفت لوجوه الناس.. كثير منها قد يعلوها احباط ما.. او شبح ابتسامة مختلطة بمرارة.. ورغم كون البعض سعداء إلا انني لا أنفك اسأل نفسي “ماذا كانوا يتوقعون؟ ماذا كنا نريد؟”.

كثيرا ما اجد حالي أحد اكثر الخارجين سعادة من أي فيلم في الاسبوع الماضي- ليس لأنني شخص سعيد بطبعي لا سمح الله- ولكنني ببساطة تستهويني الألعاب وأشكر حظي أني كنت جزءا منها لساعتين. أتصور نفسي وكأنني أقابل شخصا غريبا يأتي بفعل جديد لم أعهده.. وينصرف. واتصور – بحكمتي الركيكة – انني شاركته ذلك وشهدته حاضرا.

في اليوم التالي أطالع الصحف، أو مدونات وصفحات أصحابي. واجد نصاً طويلاً معقدا يسترسل في تحليل وتدقيق.. وهو بالنسبة لي أمر محمود يقع على هواي. لكنني للأسف كلما شرعت أكثر في القراءة اشعر ان ذلك النص وكأنه صادر عن قاض شرعي. 

أرى فيما يرى القاريء ذلك الصديق أو الكاتب أو الناقد أو حتى صانع الفيلم يجلس تحت عمود في رواق جامع أموي. يجتمع له الناس خلف شاشاتهم. ويجد في قلبه من النور ما يكفي لمحاسبة ضمائر الناس. وهو أمر احسده عليه – وان كنت لا أتمناه لنفسي- لا يجد القاضي ذلك بأسا من محاسبة “فيلم” وطبعا – لانه قاض كما يرى نفسه – ينجرف نحو محاسبة اشخاص بسبب ميولهم و أيديولوجياتهم السياسية واحيانا الدينية والاجتماعية. يتساءل حول جدوى شخصية في العمل أوسبب وجود مشهد. و يحيل اسئلته نحو ذلك الماثل أمامه هو وعقيدته الفنية.. ذلك السينمائي الذي قبل طواعية – ان كان سينمائيا جادا- ان يشرك العالم و بينهم القاضي في ادق همومه واقربها إلى قلبه. بفدائية لم ولن يملكها القاضي. لانه ببساطة قرر أن يحكم.

ذلك القاضي لن يفهم كثيرا ما قاله هذا الماثل أمامه. ليس لصعوبة في الشرح. وانما لأن القاضي يحكم بمنطق علوي. منطق منزل  وربما منزه من الأخطاء. لان هذا القاضي من ابناء عمومتي في مدينة ضربت فيها التقاليد جذورها. فنشأنا كغيرنا محافظين، وربما ظل هو متمسكا بنهج الأولين من السلف.

فعقله لا ينقطع يبحث عن النص المقدس، يبحث عن قدسية فيلم. أو قدسية مدرسة فنية. أو قدسية مقالة أو مدونة. يظل لهاثه خلف القداسة يكبل عقله الذي يظنه حرا. لازال القاضي يؤمن اننا علينا اصدار نصا مقدساً جديداً بدلا من نصه الذي عرفه صغيرا. لا يستطيع – شأن أي قاض- ان يقبل بشريعة الألعاب. لا يستطيع أن يقبل بشريعة الخداع، أو يقبل بشريعة ألا يقبل شريعة. فهو كما قلت ابن عمومتي في هذا البلد الضارب في التقاليد.

قانِع انه حُر لأنه شاهد السينما ولأنه يفهمها.. والحقيقة هو يتنازل طواعية عن حريته لأنه فهم ما شاهد. ادخله في عقله مدخل صدق. والحق أقول انه استوفى اجره. لذا فلديه “ضمير” صاف. ولذا فهو جالس بسلام تحت هذا العمود. هو لا يستطيع قبول ان الفيلم قد يتشتت، قد يتمخض عن هباء، وقد يكون سُدى. شريعته لن تكتشف قبس نور في العدم اينما حاول- ربما يرى النور ان كان ذلك العدم كافكويا شرعيا- ولكن لن يراه في هذر شابةٍ من البرازيل او مخرجٍ من الشرق. يظن انه ان لم تصله مشاعر ما من هذا الفيلم فهناك خطأ حاصل.. لا يتصور ولا يطيق انه لم يبكي أو لم يضحك طوال المشاهدة.. فلا يقبل من صور التصوف مثلا  سوى ما عرفه من الأولين من انشاد مسجوع مثلا، لكنه لن يرى تماهيا مع المطلق في مشهد لشباب يرقصن على موسيقى الترانس. هو هكذا. يؤمن ان الفن مصنوع لقطاعات الجماهير، وان لم يلتحم بها فهناك خلل في المنظومة أو ربما هناك تعاليا و ترفعا من ذلك الماثل أمامه. وفي نفس الوقت ينكر ان فنانا يصدر عملا جديدا كل عام: “كثير” يقول.. لأن عام غير كاف للوصول للقدسية المطلوبة.. او التي يرومها..هو لا يفضل ان يشاهد أعمالا عديدة أو بكثرة.. يفضلها قليلة لكنها ذات قدسية.. هو هكذا ابن مدينتي القديمة. مهما عدل من وضع عويناته فلن يرى سوى ما يرى.

يؤمن انه حقا قاض. عينه ستلمع ان رأى فيلما يشوبه “رداءة” .. سيستطيع بمهارة فائقة ان يمارس فعلته : الحكم.

هذه الرداءة – كما يظنها طبعا- هي ما تجعله يعيش ويصدر رأيا. هو موجود لأنه فقط يصدر رأيا. و لأنه قاض معمّم فلزاما عليه أن يقطع بعض الأمور قطعا حاسما: فلديه الوقائع مثبته ولديه ضمير الفيلم الواقف أمامه- ذلك الذي يستقصيه من خلال علمه الشامل بسريرة أحد صناع الفيلم كما أسلفنا- فطبعا لن يتوانى عن الحكم أن هذا الفيلم ليس مقدسا كما كان يتوجب عليه أن يكون.. ليس هو الذي على الجماعة البحث عنه.. ليس ذلك الرجل وليس فيلمه. وطبعا لأنه يحكم بوثائق ومستندات فلزاما عليه ايضا قطع أمور دنيوية مثل مقولته ان يكون الفيلم مستنسخا أو مضروبا.. ليس لسبب سوى لأنه تصادف وان حاكم فيلما كان قد مثل أيضا امامه قبله ببضعة شهور. و تقاطعت بعض افكار.

هذا عمله خلف أوراقه وشاشاته. لن يبصر ما هو أبعد من ذلك. ولا يقيس الأفلام والروايات إلا من منطلق أفلام ونصوص سابقة. فإن عجزت الجديدة ان تتجاوز الأقدم قدسية فهي -قطعا- من المستنسخات. لان الافكار في عالمه لن تتلاقى مهما تشابهت المجتمعات او اختلفت.. و النص ان تقاطع مع آخر فهو آثم قلبه. فقد آثر المساس بقدسية  نص آخر. بدلا من نهج قدسيته هو الخاصة. متناسيا كم تقاطعت النصوص المقدسة مع بعضها في مختلف الديانات. هكذا هي أصول الأشياء.

روي عن أحد فلاسفة القرن العشرين انه حينما شرع في التدريس في احدى الأكاديميات الفرنسية العريقة. لم يمتحن الطلبة آخر العام ومُنحوا تلقائيا الدرجات النهائية. قال ببساطة: “اني هنا لأقدم ما يدور في بالي. ليس لي دورا في الحكم على احد حتى لو في اطار أكاديمي.” هذا أمر افهمه جيدا. 

يظن القاضي بينما يحاكم هذه السطور الهزيلة انني أنادي في قومه أن يأخذوا العمل الفني كما أتاهم فلا يناقش ولا يجادل. و الحق انني اتمنى له يوما ان يفعل العكس. ان يترك العمود ليناقش و يجادل ولو لمرة واحدة. قبل ان نرحل جميعا تاركين ما قمنا به لأجيال أكثر نضرة ورحابة.

هكذا تتداعى الافكار في رأسي بينما اعيد فتح تليفوني عائدا للحياة “الطبيعية” خارجا من القاعة لساحات الأوبرا الرحبة، اترك عالم هذا الفيلم الى الاسفلت.هنا في الأوبرا والجميع يحاول فرض الانضباط. فرض القيم التي يرونها. يؤمنون ان مساحات الفن “حرما” او جناحا لمبنى الأوقاف. وليس مساحات للهذر والخيال والألعاب.  وفي هذه المعادلة لا يوجد كاسب او خاسر. هم كتب عليهم ان يكونوا افرادا فاعلين في لعبة الانضباط الكبرى. و قلة صغيرة أخرى لم تكترث لذلك وآثرت أن تخرج لتلعب قليلا .

من فيلم القط - الحقوق لشركة ذات

© ZAD from the film “El Ott” -2014 Dir: Ibrahim Batout 

comments
دونها on November 17, 2014 في أشخاص, عيشتي, فنون, مصر

حول تلك الفتاة العصبية

    أخذت الفتاة في الشتم و سب الأديان مستخدمة أقذع الألفاظ، ورغم كوني لست ضد استخدام الشتائم في الحياة اليومية ولا حتى في الفنون المكتوبة والمرئية إلا أني قد تضايقت عند ذكرها للأعضاء التناسلية لوالدة مخرجة ما ومنتج سينمائي آخر لأنه يبدو أن الفيلم الذي صنعاه لم يعجبها، و كانت تستخدم اللفظ الأثير لدى كثير من أهل هذا الزمان.. فكررت مرارا إن الفيلم “مُدّعي” على حد وصفها.

دوما ما أؤثر ألا أخوض في مثل هذه الأحاديث، أولا لقناعتي التامة أن على المشاهد ان يرى ما يراه في أي عمل فني وليس واجب على أحد توضيح أي أمر له/لها، ثانيا أنه دوما ما تتحول دفة الحديث لوضعي أنا وأعمالي في خانة دفاعية ما، أو خانة تبجيلية ما، وكلاهما لا أطيقه.

و لكنني أجد نفسي كثيرا ما أقف حائراً ماذا أفعل.. فهناك حالة لا أفهم أساسها تكتنف مجتمعنا في نقده للأشياء، و للأسف اعترت طريقة رؤيتنا للفنون بشكل عام، والسينما بشكل خاص. طريقة تغلب عليها المحاسبة والتفتيش في الضمائر والنفوس، وإطلاق احكام قاطعة على الفنان من منطلق واه جدا؛ وهو كيفية قراءتنا نحن للعمل المقدم، الذي هو أمر لا داع لشرح كيف يتباين من متلقٍ للآخر، كل وفقا لخبرته، ومعلوماته، بل وحالته النفسية والجسمانية أثناء تلقي هذا العمل. وكل هذا يؤدي إلى نتيجة حتمية تلك التي مؤخرا أصبح يغلب عليها “سب الدين”.. خاصة لو كان العمل الفني مرتبطاً بالثورة او خلفياتها.

فتجد من يشاهد الفيلم و يقول بثقة الأنبياء : “.. طبعا هو لازم يعمل كده عشان ياخد تمويل” بدون تكليف نفسه عناء البحث في إن كان العمل ممولاً في الأصل أم لا. أو البحث في مسألة إن  كان هناك جهات ما في الأساس تشترط أو حتى تميل لتمويل أفلام عن الثورات.

وتأتي غيرهُ لتقول: “دي الأفلام اللي بتعجب الغرب” واضعة الغرب في رؤيتها الضيقة، متغافلة عن أن العمل الذي تذكره يُعرض من اليابان لروسيا لجنوب أفريقيا لأوروبا وأمريكا اللاتينية، ماراً بدول الخليج والمغرب العربي. وتظل تفترض ان الغرب واحد، وأن الذائقة الفنية لهؤلاء الآخرين و خبراتهم الثورية هي بالضرورة واحدة لا تتجزء.

و بين هذا وتلك تضيع قيمة يرومها أي فنان أو كاتب يرغب في تطوير فنه وتعليم نفسه وتحريك الوسط الفني والثقافي الذي ينتج من خلاله و يعتمد عليه في دعم اعماله القادمة. يتحول المجتمع (و تحديدا ذلك المجتمع الثقافي و الفني) لحالة من الاستئساد والتنمر، والاستماتة في الدفاع عن فكرة ما يراها حول العمل، ولا أخفي القول ان كثير من الاعمال هي في الأساس ذات أفكار ضبابية ولا تقف على أرضية صلبة في رؤيتها للأشياء، و لكن كثيرين اعطوا لأنفسهم ميزة أكبر من تلك التي اعطاها الفنان لنفسه، ووقفوا على أراض صخرية صلدة بنوا عليها أحكامهم الراسخة.

لذا أجد نفسي ميالا لعدم الخوض والرد وسط مناخ مستعر بغضب لا أفهمه، و لا ابالغ اذ قلت انني أعرف فنانين وكتابا أضحوا ميالين لعدم الانتاج في مناخ مثل هذا من الأساس.

و لكنني قررت الدفع بهذه الأفكار العشوائية ليس دفاعا عن أم المخرجة الزميلة التي سبت بلا ذنب، و طبعا – وليس كما يتبادر لذهن بعض القراء- دفاعا عن أعمالي التي ينالها ما ينالها أيضا، الحق ان هذا ليس من أولوياتي أبدا، ولكن كانت اولوياتي الأولى والأخيرة هي المشاركة ولو بأقل القليل في توسعة النفق الضيق المسمى بالابداع في مصر، و أتصور أنه ربما بمروري أنا بين عشرات آخرين قد يصبح هذا النفق يوما فيوما أكبر و أوسع، ويحتمل أفكارا وفنونا و رؤى مغايرة لما يمليه علينا مجتمعنا ومثقفيه، شبابه قبل كهوله.

لذا أجدني مضطرا لطرح عدة تساؤلات قد يكتنفها توضيح ما بين الأسطر، فليغفره لي القاريء المتعصب. و لتغفره لي تلك الفتاة المذكورة أعلاه. 

  • كيف استطاع الشباب قبول أن يقرؤا يوميا مئات المقالات في السياسة والوضع العام، و يجلسون بالساعات أمام تلفزة تتغذى يوميا على ما حدث و يحدث، بينما في نفس الوقت عند سماعهم -مجرد سماعهم- عن عمل فني “عن الثورة” او فيلما مثلا نرى “الثورة في خلفيته” فأنهم يذهبون بين منكر و مستهزيء. وأذكر انني قد شاهدت احدهم يبصق عن يساره عندما سمع عن موسيقي شاب يؤلف لحنا للأوركسترا مستوحيا إياه من تجربته في الميدان.. هل هناك تفسير لهذا؟ ألا يعد هذا قمعا واضحا و مسبقا لأبسط اشكال الابداع وحرية التعبير..؟ طبعا تجدين ردا جاهزا قد تقولينه “يعمل اللي هو عايزه هو انا حايشهاه.. انا بس مش عاجبني حالة الـ.. الخ” .. ودوما ما اعفي نفسي من الرد.

  • لماذا يصر العديد من الصحفيين وأصدقاء عدة أن العالم يريد أن يشاهد افلاما و فنونا تشكيلية ومسرحاً عن الثورة في مصر؟ من أين أتى هذا اليقين؟ الحق ان لي خبرة ليست قليلة في الطواف حول مهرجانات السينما بالعالم – ليس الغربي فقط – و أؤكد ان مسألة تناول الثورة ربما من بعد ٢٠١٢ اضحى امرا مستهلكا غير مشوقا تجاوزته المهرجانات الدولية التي كانت – للأسف- تبحث عن الاورجازم الثوري في ٢٠١١ وبعض ٢٠١٢، لكن بعد ذلك أتت موضات جديدة يلهثون ورائها، والحقيقة ان أي فنان يحترم ما يقوم به يعرف جيدا أنه لن يستطيع ان يواكب لهاث مهرجانات العالم كل عام خلف فكرة/ دولة/ تقليعة فنية جديدة . الحق أنه ليس أمامه سوى احترام نفسه وأن يقدم عملا صادقا قدر الامكان، ليس أكثر من ذلك أبدا.

  • ما سر هذه الحالة من التنمر وتصيد الاخطاء ان ظهر فيلم سينمائي عن “الثورة”، و دوما هناك حالة ترقب مسبقة للإخفاق الذي سيُمنى به. و للأسف هذا الترقب يصيب أفلام أراها كانت دوما في صف الثورة و مبادئها حتى وان جانبها التوفيق في شرح افكارها او اخفقت في نقل تصور ما كنا نرجو رؤيته، أتعجب حالة الترقب السلبي لعمل سينمائي جديد عن الثورة، بينما لا أجد ذلك في أغنية مثلا، بالعكس، فهناك مجال أوسع لقبول أغنية من فنان مستقل عن الثورة أو الشهداء، لكن اختبر -مثلا- اعلان ان هناك فيلما روائيا/تسجيليا عن الشهداء .. ماذا سيكون الانطباع العام؟ نعرف جميعا الانطباع، و أعرف كيف سيكون انطباعك يا عزيزتي…وأنه لأمر مؤسف حقا.

  • هل هناك معنى واضح للفظ “مُدعي”؟ لدي تصور انه ليس نعتا في حد ذاته، دوما ما ارهف السمع منتظرا محدثي ان يردف: “مدعي انه كذا..” و لكن اعد على اصابعي المرات التي اكمل فيها المتحدث جملة مثل هذه، دوما يقولون “مدعي” ثم يتوقفون، وكأن علي استقراء ما تعنينه يا عزيزتي. و الحقيقة ان كل فنان يدعي انه شيء ما، هو ليس عيبا، الحقيقة كُنه الانتاج الفني هو ادعاء أمر ما وامضاء عقد خفي بين المنتج و المتلقي بالتسليم لما سيرونه حالا، ويبقى للمشاهد تصديق ما رآه أم لا، لكن ليس أن يتهم المبدع، الحقيقة انني في سنواتي الطوال شاهدت آلاف الأعمال في شتى المجالات، كثيرها كانت مملة سخيفة لزجة، و لا أذكر انني وجدت رغبة في جلد صانعها، فقط يمر العمل علي مرور الكرام، فانني اعرف ان نزولي من بيتي ومشاهدتي لهذا العمل كانت قراري الشخصي، وهناك احتمال ألا يروقني او يجد مدخله إلى قلبي. ولن ألومه على المجهود الذي بذلته للوصول بجسدي فيزيائيا لمكان المعرض او المسرح او السينما، ناهيكي انكِ طبعا قرصنتي العمل و شاهدتيه في فراشك الوثير..

  • لا زلنا لا نعرف تحديدا ماذا سيحدث في المستقبل، بعضنا تأهب نفسيا لأن هذه الموجة الثورية قد تخفت ربما لبعض الوقت متوقعا انه ربما تصعد فاشيات ودكتاتوريات في الساحة، و بعضنا يؤمن أن تعود الثورة منتصرة في يوم لها.. لذا ألم يكن أمرا جيدا ان هناك افلام – قليلة جدا- و مسرحيات وأغان أتت وأرّخت لما حدث؟ تخيلي معي -لا قدر الله – ان استمرت آلة الإعلام تقتل ما نعرف عن الثورة ، و استمرت في تأليب الرأي العام، وتحريف كل مانعرف أنه قد حدث..  ألن تصبح هذه الأفلام و المسرحيات و الأغاني و المعارض التشكيلية جزءا صغيرا من ذاكرة تحاول مؤسسات كبرى هدمها و طمس معالمها إلى الأبد؟ واعلمي اختي العزيزة ان هذا السينمائي لم سيتفق من النوم قائلا: “ايوة..! انا عاوز اعمل فيلم عن الثورة!” الحقيقة كلنا نعرف ان من صنع افلاما تماست مع حراك يناير كانوا أناسا شاركوا ولا يزالوا في هذا الحراك. كلٌ برؤيته ومفاهيمه، و لو تابعتي حساب أي منهم على تويتر او ما شابهه ستجدين محتوى ما يكتبون مهموم بما حدث ويحدث، فكيف تطالبينه ان استخدم لغته الأم – السينما/المسرح/الموسيقى – في نقل همومه تلك ألا يتطرق لما هو يثقل كاهله يوميا؟!

  • في معركة قصر النيل استطاعت الشرطة حينها حصر المئات الذين أرادو الوصول للتحرير على الناحية اليمنى من الكوبري عند الجزيرة، كنت من هؤلاء المحاصرين، بينما اشتعلت المعركة بقوة في الخارج و لم نكن نستطيع الخروج. إلا بعد انسحاب الشرطة لآخر الكوبري. اليوم أقابل الكثيرين من شباب وشابات، واكتشف أنهم كانوا معي في الحصار هذا، لكل منهم قصة مختلفة، كل يتحدث عن تجربة انسانية فريدة مختلفة عن زميله الذي كان أو كانت إلى جواره، ألم نتعلم بعد ان في هذه المواقف الانسانية الفريدة التي تتعلق الأرواح و الآمال بشعرة من الأمل تصبح هناك مساحة جديدة للرؤية والمشاهدة؟ ألم نتعلم بعد أن ثورتك ليست بالضرورة هي نفس ثورة الفتاة التي اعطتك بعض الخل وانصرفت؟ سيظل المصريون لعقود يروون قصصا من هذه المعركة فقط. سترينها في أفلام وأغان ورسومات ونحت وخزف وفوتوغرافيا وشعر ورواية و كوميكس وقصة، فتأهبي لذلك. و لا تتوقعي أبدا أنها ستتماس مع رؤيتكِ او تتقاطع معها.. رؤيتكِ حكرٌ لكِ.. اعطيني اياها أيضا وسأقبلها… أعدكِ بذلك.

6867456386 a2239f82bc o copy

معركة قصر النيل – ٢٠١١ – الصورة لإسلام العزازي

comments
دونها on February 1, 2014 في أشخاص, تحرير, حريات, رسائل, عيشتي, فنون, قباحة, مصر

34

اليوم أتممت الـ ٣٤ من هذه الحياة الحالية…لذا ففكرت تعميما للفائدة أن انشر هاهنا ٣٤ شيئا تعلمته خلال العام الفائت.. لعل فيها الخير للعامة. النصائح مكتوبة للمُخاطَب الذكر لاني أحدث فيها نفسي، للسيدات حق تغيير صياغة الجمل وتحويل كلمات مثل صاحبِتَك إلى صاحبِك..حتمشي بردو.. إلا الحقيقة الخامسة*.. فهي للرجال فقط..

إليكم:

شاهد الأجزاء الاصلية من ستار وورز مرة كل عام على الأقل.

لما حد يبعتلك رسالة رد عليه برسالة بردو.. ما تكلموش.. لو كان عاوز يسمع يسمع صوتك كان كلمك!

اتعلم تطبخ..

مش عيب ان الواحد يطلب مكدونالدز قبل ما ينام…

ما تصاحبش* ناشطات يساريات. انت عارف كده من جواك بس مش عاوز تعترف..

وفر كهربا.

لو حد دخل عليك ومعاك قزازة ستلا.. ما تتكسفش وتخبيها.. في ناس ما بتتكسفش تشرب باربيكان بردو.

قضي وقت من حياتك نباتي.. حتى لو وقت قليل ..

ماتخشش سينما في العيد.

البنت اللي بتكلمك وانتو قاعدين تتفرجوا على فيلم.. حتى لو بتعبر عن استحسانها – سيبها.

يستحسن قراءة مدونة عمرو عزت من حين لآخر..

الخوف من فقدان الهاتف المحمول “نوموفوبيا” هي علميا أكثر الفوبيات انتشارا على الأرض الآن..

حرية الرأي مقدسة مهما كان المتحدث خنزيرا.

ليد زيبلين عمر ما اغنية من أغانيه اخدت المركز الاول، ولا آر إي إم .. ريحانة خدتها ١٠ مرات… نتعظ

“حينما يدير العالم ظهره لك… أدر انت أيضا ظهرك له”  –  تيمون من فيلم ليُن كينج

ادي كلمة السر بتاعت جهازك/ايميلك لشخص عزيز انت متأكد انك حتموت قبله..

اتعلم تلعب آلة موسيقية حتى لو مش كويس قوي.

يمكنك التوقف عن متابعة كارلوس لطوف ، ذلك لا يخل بضميرك الثوري اطلاقا.. الحياة قصيرة..

الريتش بيك هو خبز لم ينضج بعد في الفرن.

الفنون والأدب حق لكل الناس ممارستها .. مش محتاجة تعليم ولا نقابة.

ما تستخدمش وندوز تحت أي ظرف.. لينكس كويس ، سهل، صحي. وفي العموم ثق في المشاع الابداعي.

اشتري جزمك من الاسكندرية..

البرجوازيون يمكن تمييزهم عن بقية الناس من فعل واحد فقط: انهم بيقرفوا.

دايما خلي ملفاتك وافلامك السكس ع الجهاز.. ما تعتمدش ع النت.

كل الساعات ال ضاعت في العاب فيديو.. كانت ساعات سعيدة.. ما تصدقش غير كده..

تظل سبيس اوديتي هي افضل اغنية حصلت لحد دلوقت.. المركز التاني بين جريسلاند وكونت ديمونت كريستو

ما تثقش في جوجل.. جوجل مش صاحبك ولا حاجة.

كل نجوم الزمن الجميل ماهماش بالعظمة الفنية او الانسانية ال بيقولوها في الاعلام.. استثني محمود المليجي و صلاح جاهين.

ساعة الحائط مهمة جدا في غرفة النوم.

“دعني اخبرك كيف تكون الحياة عظيمة: بلا قواعد.. بلامسؤولية”  –  تيمون من فيلم ليُن كينج

شاورمة رضوان احسن كتير من شاورمة سمسمة بالذات متأخر

الافتر ايت ما يتراحش إلا في الظروف القصوى جدا

تأكد من وضع الهمزات دوما.. ومن تنقيط الياءات في أواخر الكلم

تحت أي ظرف: استخدام الواقي شرط أساسي

لا يجب الثقة في السياسيين على الاطلاق

لا تصدق كل ما يقال لك حتى ما قرأته الآن.. و الدليل ان البوريو مع اللبن ليسا بهذا التآلف..

 

wpid-Joe-Forkan_web8-2012-12-19-10-443.jpg

للفنان چو فوركان

 

comments
دونها on December 19, 2012 في أشخاص, أماكن ،, العنكبوت, جنس, حريات, عيشتي, فنون, مصر, موسيقات, پوپ

مداخلة سريعة حول الهوية

راقني كثيرا ما كتبه أحمد ناجي، الذي عرفناه قديما بـ بيسو في زمن المدونات الغابر، و كثيرا ما تراسلنا وتكاتبنا، ووجدتني منكبا على الرد و التعليق أحيانا عبر المدونات.. و كان هذا قبل ظهور الفيس، و التويتي و ما شابههم كما ذكرت.

كتب ناجي اليوم عن الهوية، و علاقة ذلك الشكل الأحادي الصارم للهوية التي صاغها لنا نظام ناصر بما هو واقع فعلا في ارجاء مصر، متخذا اللغات المحلية منطلقا للتعددية التي يختار الكثيرين ألا يروها ربما تارة إيمانا بالشمولية العروبية لدى تيارات ثورية. وتارات أُخر خوفا على راية الاسلام من قبل تيارات محافظة. سامح الله كلاهما.

يبدأ ناجي حديثه بذكر الاسطورة الأوزيرية الشهيرة، إحدى أجمل و اقدم قصص المصريين القدماء، و التي أراها من أكثر حكايات الميثولوجيا تعبيرا عن الشعب وبلاده التي يعيش فيها، و بعيدة عن تلك القصص الألوهوية الاسطورية البعيدة عن الناس، كشعوري حيال ميثولوجيا اليونان مثلا. رغم اسِتمتاعي التام بها.

علاقة القصة والإلهة إيزيس بالنيل و الموت والحياة والجنس شديدة الالتصاق بالأرض، رغم عكسها على صور آلهة خارقين، إلا انهم في أفعالهم شديدو الانسانية و “المصرية” إن كان لهذا اللفظ معنى في الأساس. و للأسف قد اصابتها الرقابة السلطوية على وجداننا كمصريين، ولم نسمع منها كأطفال أو بالغين سوى شذرات تناسب هلوسات المجتمع ذو الهوية العربية المحافظة، التي أرادوا لنا تبنيها..

فالقصة تتحدث عن آلهة تتصارع -نعرف ان كل مدينة في مصر كان لها إلهها الذي تعبده، و تنذر له النذور و تبني له المعابد -ومع ذلك سارت عبادات هذه الآلهة جنبا إلى جنب مكونة منظومة دينية شكلت حينها جزء من هويتنا، وكانت تنصهر تحت ثقافة واحدة، و ربما تحت إله واحد تتبدل قوته عبر العصور.

و القصة مثلا تسرد حديثا ليس بقليل حول قضيب الإله اوزيريس، و ازمة إيزيسْ مع فقدانه، و رغم أنه هذه القصة كان يعرفها كل طفل فرعوني، إلا انها شبه محرمة الذكر للاطفال في عصرنا الحالي، وغني عن الذكر ان قصص مافي القصص الدينية من جنس وقضبان إلهية لم يثن المصريين حينها من النبوغ في الطب والعمارة والكيمياء و الفلك، برعوا في الفنون والموسيقى و كتبوا اقدم النصوص الأدبية، و خاضوا أعتى الحروب، و كتبوا أول معاهدات السلام.

أهمل ناجي في مقالته اليوم قصة القضيب، و كان هو أولى الناس بذكرها لاهتمامه بتلك الأشياء … فتعجبت كثيرا.. ووجدت أن اسردها هنا على عجالة للمنفعة العامة.

 

wpid-Osiris_qui_bande-2012-11-13-11-543.gif

 

 

تبدأ القصة بالأخوة الأربعة، إيزيسْ و أخته/زوجته إيزيسْ من ناحية ، وسِت وأخته/زوجته نفتيس من ناحية أخرى ، حدث أن نفتيس لم تكن لتنجب أبناءا من زوجها سِت، مما أجبرها على التنكر ومضاجعة اوزيريس الذي انجبت منه انوبيس، أحد آلهة العالم السفلي، ربما لهذا السبب أو لغيره يجد سِت نفسه في صراع أبدي مع أوزيريس ينتهي بأن حبك له مؤامرة عجيبة، مفادها أنه صنع تابوتا مرصعا و مزينا بالعاج النادر، و قرر إهداؤه لمن كان التابوت على مقاس قامته، و طبعا نظرا لهوس المصريين بالموت والدفن حينها -ولا زالوا طبعا- تسابق العديد لقياس التابوت، لكن سِت اسِتخدم سحرا ما جعل التابوت غير صالح لإياهم، إلا اوزيريس، الذي ما أن دخله و اسِتقر فيه سعيدا بتابوته الجديد إلا وأغلق سِت عليه غطاء النعش، و ألقى به في النيل.. ليسبح للمجهول وينتصر عدوه الأكبر.

إيزيسْ ظلت تبكي زوجها الحبيب، و اخذت تجوب الأصقاع بحثا عنه ، إيمانا منها بأنه لابد أن يدفن دفنا لائقا، وأن اكرام الميت دفنه، فظلت في بحثها إلى ان وجدته -وياللغرابة-في ساحل مدينة جبيل اللبنانية. و يقال ان سحر الإله المتوفي جعل الأحراش العشبية التي اسِتقر فيها النعش تتحول إلى شجرة مورينجا عملاقة ،و أن الشجرة احتوت النعش بداخل جذعها الضخم محافِظة عليه، حتى أن ملك جبيل لاحقا – وتقديرا للشجرة الوفية -قام بقطع جذعها و تحويله لسقف غرفة جلوسه، و لكنها قصة أخرى.. المهم أن إيزيسْ حملت النعش لمصر حيث لابد أن يدفن في بلاده، و خبأته بين الأحراش في نيل الدلتا .. و لسبب ما كان الملك سِت خارجا يصطاد ليلا وفق عادته، فإذا به يلمح النعش من بعيد، فاستشاط غضباً وقرر ان يقطع جسد أوزيريس إلى عدد من القطع (يقال انهم ٢٤ أو ١٤ على عدد محافظات مصر) و قام بالقاء اجزاء الجسد الإلهي في كل محافظة، ظانا انه بهذا الفعل قد أعجز ايزيس.

طبعا نعرف ان إيزيسْ شرعت مرة أخرى في البحث عنه، و خاضت النيل و فروعه تصاحبها العقربات السبع، اللائي يحمينها من مخاطر الطريق، ابحرت إيزيسْ في قارب من البردي، وحدث أن التماسيح -احتراما لرحلة الإلهة- قد أخذوا عهدا منذ ذلك الحين أن يتركوا العابرين فوق اطواف البردي يمرون في النيل بسلام، و يبقى لهم حق التهام من هم غير ذلك.

كما نعرف أيضا فقد استطاعت ايزيس جمع قطع الجسد. باسِتثناء قطعة واحدة، وهي قضيب الإله، ذلك الذي أكلته سمكة نيلية – تحديدا في بهنسة/المنيا -وأصبح أكلها محرما على المصريين لاحقا كراهية منهم لفعلتها الشنعاء.

و لأن إيزيسْ لم تسِتطع مواجهة ابنها حورس البطل المنوط به الثأر لوالده، و اخباره أن جسد الأب اصبح عنينا منتقص الرجولة، قامت الزوجة الوفية باسِتنبات قضيبا سحريا له.. ليكتمل الجسد..

للاسف الشديد كل ما تم تمريره لنا من الاعلام الرسمي للدولة الذي يتغنى بالحضارة الفرعونية ، و يسِتحضرها الكثيرين قديما وحديثا دفاعا عن الهوية – قد اختصر منها العلاقات الجنسية المتشابكة بين الأزواج، وقصة القضيب، وتكثر النماذج المتغاضَى عنها اعلاميا في الأدب الفرعوني.

ما فات هو جزء من هوية هي جزء من “مقدرات” الشعب طالما يحلو للكثيرين استخدام هذا اللفظ.. كان قدره ان ينشأ حفيدا لهؤلاء و يزرع ويحصد حول كتباتهم و وتصوراتهم المنحوتة لتلك القصص.. و لذكراه لازال البعض يدق عصافيرا بجوار اعينهم لتحميهم..

فإذا لم تستطع الهوية المزعومة احتمال كل هذه الروافد -وأعلم انها لن تستطيع- لذا فطز في الهوية.. و ليكن كل منا ما يحلو له… له مطلق الحرية في التعامل مع هويته، و تاريخه، وقضيبه إن استطاع الاحتفاظ به.

 

 

comments
دونها on November 13, 2012 في أدب, أشخاص, أماكن ،, جنس, حريات, ديانات, قباحة, مصر

عزيزي الناقد الفني..

عزيزي الناقد الفني،

أسوء ما يزعجني فيما نراه هذه الأيام من تغير الحال و تبدل المزاجات والأفئدة أن أجدني أشاهد في كل يوم من الأمور غرائبها. فتجد مثلا شيخا علامة ينادي الناس بـ يا شراميط يا أنجاس و ضباط جيش يقطعون الطرق اعتراضا على أوضاعهم.. إلى آخر القائمة في هذا الزمان الخائب.

و لذا أجدني اشارك في احتفالية الموازين المقلوبة هذه. وأجد نفسي مضطراً لأن أخاطبك بدلا من أن أسمع منك، أعطيك نصائحا عامة بدلا مما كنت أود تلقيه منك. خاصة بعد ما عانيناه لسنوات من الإخفاق المؤسف لأهل صنعتكم. فاسمح لي ان ادخل في لب الموضوع و استعيذ بالله من غضبك و من ألا يتسع صدرك لهراءاتي الصغيرة. فكن رحيما بما تسمع، لعل في ذلك إفادة للعموم..

Screen Shot 2012-09-24 at 6.54.56 PM.png

العمل الفذ النافورة لمارسيل دوشمب - 1917

بعد قرن فقط تم توصيفها بـ أحد أكثر أعمال الفن الحديث إلهاما

خذ عندك..

عزيزي الناقد ، لا تقل على الفيلم أو العرض المسرحي انه ممل و لا تستخدم هذه الكلمة أو مترادفاتها بأي شكل في نصك النقدي، فالسينمائي أو المسرحِي أو الموسيقي ليس غرضه امتاعك أو تسليتك بأي حال، و ما تراه مملا و تتثاءب فيه قد يكون ملهما لأناس آخرين. تذكر جيدا أن تسليتك تسعدنا.. ولكنها لم تكن في حُسباننا كفنانين ليلة أن أتت أول شرارات العمل الفني في عقل المبدع.. صدقني حينها لم يفكر بك.. ولا ابالغ ان قلت انه لم يفكر في أي أحد قط! لذا فكثير من الفنانين ليس غايتهم بأي شكل تسلية المشاهد/الناقد.. و إن كان بعضهم يسعى لذلك لكنهم ليسوا من أعنيهم في رسالتي هذه. و أذكر أن وودي ألان قال منذ أسابيع في افتتاح فيلمه: لقد استمتعت جدا اثناء تصويري للفيلم في روما.. لكن هذا لا يعني بالضرورة أنكم ستستمتعون به

عزيزي الناقد، تحاشى قدر الامكان أيضا الحديث عن المط/التطويل/بطء الايقاع، فهي أمور نسبية، و هي كلمات معانيها ممطوطة ومطولة في حد ذاتها. فانت تعلم - وربما لا تعلم - ان أوبرا دون چيوفاني لموتسارت تشارف الساعات الأربع، و فيلم بيلا تار ساتان تانجو يقارب التسع ساعات، و السيرة الهلالية مثلا تتجاوز المائة ساعة لحكيها. وكلا من موتسارت و بيلاتار و راوي السيرة يعلمون ان المادة الفعلية للقصة قد لا تحتاج كل هذا الوقت..لكنهم يفضلونها هكذا.

فعليك أن تعي ان الوقت الذي مر و لم تستفد منه أنت شيئا هو أيضا خيار فني لصناع العمل. ومطالبتك الزهيدة بحذف الوقت الزائد في نظرك لا استطيع هضمها إلا ان استطعت هضم أن تطالب باختصار أغاني فريد الاطرش من مرجعاتها و تكراراتها، و تحويل سهرة له تجاوزت الساعة إلى مكوناتها الأساسية التي ان جمعتها ستصبح عشرة دقائق.. لكنك لا ترضى لنفسك بالإخصاء.. فلا ترضاه للعمل الفني رجاءا.

عزيزي الناقد، يحدث أحيانا ان تتأفف و تتذمر من مسألة أو فكرة في حوار فيلم، و لاحظت كثيرا ان هذا الذي أساءك مردود عليه في موضع آخر في العمل على لسان إحدى الشخصيات مثلا.. أو في مشهد صامت بمفردات أخرى، لكنك للأسف لم تسمعه/تدركه لسبب لا يعلمه إلا الله. لذا فنصيحة من أخ: شاهد العمل الفني مرتين متتاليتين قبل الشروع في الكتابة، لن يؤذيك في شيء و سيساعدك لبلورة أفكارك بدلا من طرحها الينا كجواهر غير مصقولة هكذا.

عزيزي الناقد، توجهاتك الفكرية و أحلامك السياسية و الاجتماعية في هذا الوطن التي لم تتحقق لم تتحقق ليست مسؤوليتنا كفنانين. و ليس دور الفنان التلاقي مع رؤيتك الأيدولوجية للعالم. ليس دورك محاكمة أفكاره و تحديد مدى صوابها. فلا تحاول ان تكون بوصلة لضمير الفنان الذي صدقني هو لا يملك سواه بعد ان ينتهي من قراءة جريدتك.. لكن الحقيقة أن دورك اعمق من ذلك وهو اعطاؤنا كفنانين وكمتلقين مفاتيحا لقراءة هذا الفن، رؤية أوسع لأشكال فنون تتقاطع معه، عالم من الفنانين الذين لم نسمع عنهم و لكننا نتلاقى في فكريا و تقنيا. يمكنك ان تكون بميول يسارية - وعادة انت كذلك في هذه المهنة - و لكن لا يبرر هذا هجوما على عمل لأنك قرأت فيه توجهات يمينية أو برجوازية. ويمكنك ان تكون بميول محافظة - و كثير منكم كذلك أيضا في هذه المهنة - لكن ارجوك امتنع عن مهاجمة فنانين لان توجهاتهم الأخلاقية ليست على هواك.. أو لأنهم ذوي ميول يسارية لكنها ليست نفس ميولك… و تغض البصر عن محاولات فنية وأفكار وتقنيات استخدمت.. لكن توجهك السياسي/الفكري منعك… تماما كما تمنع المؤمن ذنوبه.

المفكر الشيوعي چيچيك يتحدث عن ماتريكس

من فيلمه دليل المنحرف للسينما

طالما ذكرنا السياسة عزيزي الناقد، فاعلم انني اعرف انك احيانا تستيقظ بحنين لفيلم معين من الستينات، أو لصوت مغنية ما أشجاك، فتكتب لنا مقالة تنشر في اليوم التالي عن هذه أو ذاك.. الحقيقة انا أسعد بذلك. ولا أعارضه البتة، لذا اتمنى ان تعي في قرارة نفسك ان الفنان ينتج فنه تماما مثلما تكتب أنت. و كما صدعتنا مقالات لرؤيتك عن الثورة ، ومحاكمة فلان ، وفصل علان، و إنهاء كذا.. فاعلم اننا أيضا نصنع افلاما و من حقنا أن نطالب مثلك أيضا بمحاكمة فلان فيها.. أو حتى محاكمة أنفسنا.. أو ألا نحاكم أحدا.. أو ربما نتأمل ما يحدث في صمت من خلال عمل فني. لكل منا عزيزي الناقد أداة تعبيره الخاصة يستخدماها اينما أراد في اتجاه ما أراد.. لذا فلغط افلام الثورة/أغاني الثورة/معارض الثورة هو محض استسهال و تسطيح من أهل صنعتك لا أفهمه. كيف يمنع ناقد فنان من الانتاج؟ الناقد في العادة يطالب بالاستزادة و يسأل الفنانين أن يعبروا عن مكنونات صدورهم بكل ما أوتوا من فن أي كان.. لكنكم في بلادنا المعمورة لكم نهج آخر، للاسف أراه قمعي، كنهج مجتمع كامل ميال للقمع و الاسكات.

وان ظننت أنك حر في مواضيع كتاباتك بينما الفنان عليه أن يكون أثر حرصا فأنت مخطيء. فنحن مثلنا مثلكم. مع الفارق ان الفنان يشاركه مجموعة من الفنانين و التقنيين اجتمعوا على تنفيذ هذه الرؤية وعرضها على الناس. انت فقط لديك الديسك.

عزيزي الناقد، بعضنا كسينمائيين طرق في السنوات الماضية ابوابا فنية جديدة، بعضنا طور من مدارس تمثيل غربية من العقد الأخير لم تعرف في مصر كثيرا.. بعضنا استخدم اشكال جديدة للحكي، والبعض بنى على مدارس في المونتاج والأداء والإضاءة معروفة عالميا لكنها لم تستخدم هنا مطلقا.. وكثيرون استخدموا تقنيات مغايرة لنهج الصناعة.. ولكني - كمخرج/مؤلف صغير لازلت اتعلم - لم اذكر اني قرأت أبدا -باستثناء مرة أو اثنين- اي تحليل واع لهذه التقنيات، لم أرى تفكيكا لمدرسة تمثيلية و مقارنتها بغيرها في العالم، لم أرى تشريحا لتقنيات توليف و دراسة فعاليتها في هذا العمل بذاته، لم أقرأ من يفند عالم الكاميرا و حركتها و احجام اللقطات و اختيار تتابعها في أعمالنا إلا فيما ندر بشكل سطحي واه. لم اقرأ عن الديكور أو الملابس إلا في اطار : كان موفقا/اجاد/عكس روح الحي. و ماشابه هذه الجمل المبتسرة التي قد ترضي مدير التحرير … لكنها لم تساعدنا كفنانين في التطور ولو بشبر واحد. فاعفينا من ذلك عافاك الله.

عزيزي الناقد، أحيانا يُقْدم الفنانون على اشياء غير مفهومة.. لا أعني انهم مجانين أو مختلفين أو ما شابه ذلك من توصيف مجتمعي بائس.. إنما أعني ان كثير من الفنانين يصنعون أعمالا ليس لها معنى أو مغزى واضح، و احيانا يصنعون أعمالا بغرض ان يفهموا هم ولو قليلا عن هذه الحياة، أو يصنعون أعمالا ليشاركونا تساؤلات لا يجدون لها إجابة، أو ليشاركونا شعورا لديهم بعبثية حياتنا اليومية. هذه الاعمال ليس بالضرورة لزاما عليك أن تفهمها.. ولا اخفي عليك انه ليس لزاما عليهم حتى هم انفسهم أن يفهمونها..لذا فلا تقس على نفسك ان لم تفعل.. ولا تبحث عن مفاتيح الطلاسم في ملابس الشخصيات أو ديكور البيت أو جملتين عابرتين. ولا تقس على نفسك كثيرا.

عزيزي الناقد، كنت تكتب دوما انت و زملاؤك وتقول أن من حقك مسح البلاط بأي مخرج أو فنان أو أي فيلم أو مسرحية ، وعلى الفنان تقبل ذلك لأنها مهنتك .. فاسمح لي أن ألاعبك نفس اللعبة وأرى كيف ستتقبلها.. علما بأني لاأخاطب ناقدا بعينه. و إنما أخاطب كل أبناء مهنتكم في مصر لا أستثني منهم إلا واحد أو اثنين. و بالتالي نسبة أن تكون أنت هو هذا الواحد أو الاثنين قليلة جدا.

طبعا كل ما ذكرته لك اليوم قد قاله العلامة بوب ديلان لناقد آخر في الستينات، يبدوا أنه لم يستطع استيعاب شكل الفنون الجديدة التي نشأت حينها فحاول ديلان إفهامه بطريقته. لكنه فشل. و مات الناقد.. و يموت ديلان، و تبقى الاغنية كعمل فني صاف. اتركك معها لعلك تستمتع بها.

من طرف أخوك أحمد عبد الله.

Ballad of a Thin Man by Bob Dylan on Grooveshark


Ballad of a Thin Man

You walk into the room
With your pencil in your hand
You see somebody naked
And you say, “Who is that man?”
You try so hard
But you don’t understand
Just what you’ll say
When you get home
Because something is happening here
But you don’t know what it is
Do you, Mister Jones?
You raise up your head
And you ask, “Is this where it is?”
And somebody points to you and says
“It’s his”
And you say, “What’s mine?”
And somebody else says, “Where what is?”
And you say, “Oh my God
Am I here all alone?”
Because something is happening here
But you don’t know what it is
Do you, Mister Jones?
You hand in your ticket
And you go watch the geek
Who immediately walks up to you
When he hears you speak
And says, “How does it feel
To be such a freak?”
And you say, “Impossible”
As he hands you a bone
Because something is happening here
But you don’t know what it is
Do you, Mister Jones?
You have many contacts
Among the lumberjacks
To get you facts
When someone attacks your imagination
But nobody has any respect
Anyway they already expect you
To just give a check
To tax-deductible charity organizations
You’ve been with the professors
And they’ve all liked your looks
With great lawyers you have
Discussed lepers and crooks
You’ve been through all of
F. Scott Fitzgerald’s books
You’re very well read
It’s well known
Because something is happening here
But you don’t know what it is
Do you, Mister Jones?
Well, the sword swallower, he comes up to you
And then he kneels
He crosses himself
And then he clicks his high heels
And without further notice
He asks you how it feels
And he says, “Here is your throat back
Thanks for the loan”
Because something is happening here
But you don’t know what it is
Do you, Mister Jones?
Now you see this one-eyed midget
Shouting the word “NOW”
And you say, “For what reason?”
And he says, “How?”
And you say, “What does this mean?”
And he screams back, “You’re a cow
Give me some milk
Or else go home”
Because something is happening here
But you don’t know what it is
Do you, Mister Jones?
Well, you walk into the room
Like a camel and then you frown
You put your eyes in your pocket
And your nose on the ground
There ought to be a law
Against you comin’ around
You should be made
To wear earphones
Because something is happening here
But you don’t know what it is
Do you, Mister Jones?

comments
دونها on September 23, 2012 في حملات, رسائل, عيشتي, فنون, فيديو, مصر, موسيقات, پوپ

..حول الستائر الزرقاء

ذات صباح منذ بضعة سنوات كنت أجوب الانترنت كعادتي كلما كان لدي عمل لا بد من اتمامه. محاولا حجب شعوري المزعج بالذنب وضرورة الشروع في العمل.. قررت ان افتح بعض الفيديوهات الطائفية العربية، في محاولة لإعلام ذاتي المتململة انني -هكذا- علي ما يرام. طبعا يوتيوب يذخر بما يؤسف من اساطير وسخرية وازدراء من جانب الطوائف لبعضها البعض.

لم يستغرق مني الأمر بضعة دقائق حتى عثرت على فيديو لشيخ عربي يتحدث عن حق الليلة الأولى لدى المسيحيين. و تحدث عن اسطورة سخيفة مفادها أن القساوسة يدخلون بالنساء قبل أزواجهن. و أنه فعل مستباح في عقيدتهم. طبعا لم تكن المرة الأولى التي اسمع بها حكاية كتلك، فمرتي الأولى لسماع هذا الهراء كانت للاسف في المدرسة من قبل أحد المدرسين.

ما أدهشني ما رأيته من تعليقات استحسان على هذا العمل الفذ – لم ابحث عن الفيديو مرة أخرى من حينها ولا أكترث ان كان لايزال موجودا – ولا أذكر انني قرأت راشدا واحدا أبدى استياءه من هذا الكلام أو حاول تصحيحه. حتى ولو من باب نهج سنة النبي في حسن معاملة أهل الذمة. أو تحري الصدق.. فقط كان الفيديو موجودا في أحد أركان الانترنت يراه الناس مسلمين ومسيحيين، شرقا وغربا.

wpid-CowHA-2012-09-12-10-171.jpg

المصدر ويكيبيديا

ما يناله المسيحيون من بعض متعصبي المسلمين الذين اخذوا على عاتقهم تفنيد وهدم المسيحية لسبب أجهله، يمكن مقارنته بما يناله الهندوس مثلا من متعصبي كل الديانات السماوية جمعاء والسخرية من “عبادتهم للأبقار” رغم عدم دقة المعلومة. و ما ينال المجوس “الزارادشتيين” مثلا من كونهم “عبدة النار” رغم عدم صحة المعلومة أيضا. وحدث ولا حرج عن الاساطير التي تحف معرفة الناس عن البهائيين.. فدوما هناك من يتعرض لقشور دين آخر بعيد عنه، و يظن انه يبلي حسنا بنقده و تفنيده بل و السخرية منه و ازدراءه في مكان ما على الأرض.

لا أعلم لماذا يظن كثير من المسلمين أنهم كيان واحد مرصوص. وأنه البتبعية فالغرب الصهيوني هو صليبي في مطلقه وبالتالي هو أيضا كيان واحد مرصوص يقف “لنا” بالمرصاد، ولا أعرف منشأ هذا المعتقد ولكني أراه راسخا في عقول الكثيرين. وشيئا فشيئا أجد لدى الناس رغبة في التحزب والتقوقع داخل جزيرة يأبون إلا ان تصغر عليهم شيئا فشيئا. بحجة أننا سنكون هنا سويا “مسلمون” فلا أعجب ان رأيت البعض يهلل فرحا أو أرى أغبياء تكبر وهي تحطم ممتلكات اقباط في اطفيح او دهشور أو أسوان لا فرق. فروح التحزب تشعرنا أننا على ما يرام. وأننا هكذا أقوى كثيرا.

ما يأبي الكثيرون أن يهضموه هو ان الغرب “بعضه” قد تجاوز ما يسمى بالمقدسات، وعرف أنها كلمة مطاطة خاصة ان احتوى المجتمع عشرات الأديان والأعراق والمهاجرين. و نقد المقدسات بل واستخدامها كمادة لمنتجات فنية او وسيلة للتندر وجلب النكات هو أمر وارد في بلدان عدة له سنوات وعقود، وتنشأ الأطفال مشاهدة ذلك ويترسخ في تعاطيهم مع الشؤون المقدسة طوال حياتهم.

أنا شخصيا رغم كوني مصري عربي فلازلت كلما سمعت قصة الوصايا العشرة وحديث الله تعالى لموسى اتذكر دوما هذا المشهد من فيلم “تاريخ العالم” للمخرج مل بروكس.

وهذا المشهد لم ولن يغير بأي حال معتقدي عن القصة ومدى تبجيلي للنص التوراتي/الانجيلي/القرآني على السواء. فقط أراه مشهد خفيف. لا أكثر ولا أقل.

كوننا نتاج تربية أهالينا.. و أهالينا نتاج تربية نظام شمولي ناصري عتيد، لازلنا نظن -نحن و أهالينا- أنه من الممكن منع ومصادرة كتاب او فيلم أو أغنية وحجبه عن الرأي العام اتقاءا لشيء ما، بل و من الممكن ليس لدينا فقط و انما في دول “الغرب” ان يحذون حذونا ويمارسون منعا ورقابة مسبقة على اعمال قبل ظهورها لانه قد لا يرضى عليها شعب ما على هذا الكوكب البائس، بل والأنكى اننا نعتقد في امكانية ممارسة “الضغط” -الذي تعلمنا أن الوقفات احدى وسائله- لجعل بلدان تغير قوانينها الراسخة التي يعلمون هم جيدا انها سلاح ذو حدين وقد تثمر عن اضرار مجتمعية و أزمات طائفية و عقائدية لديهم..ولكنهم جعلوا لنفسهم عقدا اجتماعيا بينهم يتيح هضمها وتفنيدها والرد عليها في ظل مجتمع أفقه أكثر عراضة.

ولازلت كلما أشاهد لوحة العشاء الأخير. أتذكر نفس الفيلم السابق وهذا المشهد المسيء.

نعرف جميعا أن الأدب قد تجاوز الثوابت المادية للأمم، و كثير من النصوص أعادت قراءة وكتابة المقدسات بدءا من سيدهارتا مرورا بموسى ويسوع، و خرجت للنور نصوص أدبية من صنع بشر تتفاعل و تتقاطع مع نصوص توراتية و انجيلية وبوذية إذ كانت كلها جزء من ثقافة “الغرب”، ولم يتحرج مؤلفون وكُتاب من وضع تصوراتهم وخيالاتهم الخاصة عن حياة موسى والمسيح حتى وإن وطئوا فلسفاتهم وقاموا بتفكيكها .. أو ان تعرضوا للحياة الجنسية لبوذا مثلا. ولم اشعر في اية لحظة أن نص مثل هذا أو ذاك قد يشكل “خطرا” على مسلماتي الفلسفية والدينية، بالعكس كانت هذه النصوص دوما مادة لاثراء رؤيتي الخاصة لنصوص دينية واخرجها من القالب الجامد لعالم أكثر مرونة وتفاعلا. وربما منطلق لنقاشات جادة. ولم أجد خطرا على عقيدتي ولم أجد ان علي حماية أي شيء من أي أحد. عكس مايحدث حولنا الآن.

الآن قد تجد محاذير رهيبة عند حديث الاعلام عن قصص دينية/تاريخية بعينها رغبة في حماية “الناس” من البلبلة. و قد تجد وزارة الأواقاف تمنع السينمائيين من التصوير في الجوامع لعل في الفيلم ما لن يرضوا عنه. وتجاهلوا تماما ان الجامع “بصريا” ماهو إلا اربعة حوائط مفروشة سجادا يمكن لأي شخص افتعاله في أي مكان و تصوير اكثر المشاهد اساءة بعيدا عن أعينهم هم من ظنوا انهم بالمنع سيوقفون اي شبهة لإساءة. و أرى ذلك أمر جل محزن.

يمكن لأي شخص بجهاز كمبيوتر متواضع و كاميرا محمول و ستارة زرقاء ان يصنع فيلما و يجعل أبطاله يفعلون أي شيء ويسيرون في أي بقعة في الأرض أو أي تاريخ زمني. بعض هؤلاء الناس ممن لديهم هذه الامكانيات مرضى، و بعضهم محمل بكراهية عتيدة، وبعضهم يستمتع بتجريح عقائد اخرى كما حدث منذ بضعة أيام.

و لكن هؤلاء الناس موجودون. يعيشون في كافة بقع الأرض: أمريكا أو اسرائيل أو البرازيل أو حتى مصر. و سيستمرون في بث هذا الخراء و يجدونها وسيلة جيدة للمناكفة و تكدير “المسلمين” . الازمة ليست في وجودهم او في أية دولة هم أو في تعاطيهم مع مقدسات الغير. الأزمة في تعاطينا نحن مع هذا النهج الذي سيستمر بفضل التكنولوجيا والمجتمعات المفتوحة التي لا سبيل إلى إغلاقها.

الحل؟ لا تكتب “بن لادن” على بوابة سفارة الأمريكان.

الحل أن تصنع أفلامك..

comments
دونها on September 12, 2012 في أدب, الأرض, العنكبوت, حريات, ديانات, شرقأوسط, فنون, فيديو, مصر

حول السعادة

نعم، أنا سعيدلا أنكر انني قد ذرفت دمعة او اثنتين بينما أتبع أرقام التصويت لشعوري بغُبن لم اختبره منذ مدة.. ولا أنكر انني اصطنعت البهجة مع مكالمة أمي لي مسرورة بتقدم مرشحها الثوري على الآخرين، و آثرت أن اختلق السعادة وألاّ أخبرها أن معلوماتها يشوبها نقصان، طلبت منها التريث قليلا حتى نرى.. لم تهاتفني بعد ولم أحادثها مذ تكلمنا، أظنها حزينة بعض الشيء.

لكني مع الصباح الجديد كنت أهدأ، تمشيت قليلا، و كانت الشمس اكثر حنانا عنها يوم الطوابير الانتخابية. تعجبت قليلا، و لكن فكرت أنه لا بأس. مر علّي لطفيمنادِ العربات في شارعنا الضيق، حياني من مبعدة واستأنف تنظيف سيارة ما كأنه يتحاشى الحديث وعلى وجهه ابتسامة خجلى، لا يعرف لطفي أنني قررت تغيير مرشحي من مرشح مع الثورة لمرشح آخر مع الثورة أيضا وفقا لمشورته هو، فقد هتف لي من بعيد وأنا سائر نحو اللجنة ذاك الصباح بإسم المرشح وهو يصيح مشجعا إياي على دعمه.. صحت بدوري: رأيك كده؟ أشار بإبهامه. قلت أنها علامة. كنت مترددا بين الإثنين، فحسمت ترددي وفقا لشورته هو.

رغم أن مرشحي أنا ولطفي قد كان قاب قوسين أو أدنى من المركز الثاني، إلا أنه قد هُزم فيما يبدو، وتشير الدلائل إلى سيناريو عرفناه لكننا تمنينا ألا يتجاوز أفكارنا المتشائمة، ولكننا نرى بلادنا محصورة بين حكم العسكر وحكم الجماعة.

تذكرت مساء يوم ٢٧ يناير٢٠١١، كنت في بيت صديق، تعرفت على شاب مهذب شديد الخجل – على عكس أبناء جيلنا- سألته إن كان سينزل معنا غدا، قال لي بعربية تشوبها انجليزية -أو العكس- أنه يكره مبارك ورجاله وحزبه، لكنه لن ينزل مخافة حكم الإخوان. اذكر يومها انني رددت بنوع من السخرية حول استحالة هذا ان شاركنا جميعا.. تحدثت معه فاقتنع، وسعدت حينما رأيته وبجواره فتاته عند مصطفى محمود قبيل المسيرة بلحظات .

ماذا عساي قائلٌ  له إن تقابلت طرقنا في يوم ما؟ يبدو أن الإخوان بعد تسلطهم في النقابات،البرلمان/الدستور، هم في طريقهم للرئاسة. تسائلت: كيف حدث كل ذلك؟ او لعلي تصورته يسألني كيف حدث ذلك؟.. تصورته لازال قلقا كما رأيته يومها، تصورته حزينا وربما يلوم الثورة على ما حدث.. أحببت أن اقابله، لأخبره ألا يحزن .. ولأخبره أني سعيد.

سعيد لأن ثلاثة أرباع المصوتين اختاروا الثورة.. وحتي من اختاروا الفلول، فلا تثريب عليهم إن ظنوا ان الأمن في يد العسكر.

سعيد بأن المصريين صوتوا ضد الإخوان بكامل إرادتهم، فمرشحهم لم يحظى بنصف من صوتوا لجماعته منذ بضعة أشهر. وثلاثة أرباعنا اختاروا مرشحين أُخر.

سعيد لأن خُمس المصريين اختاروا مرشحا بميول اشتراكية لم يتاجر بالدين لوهلة. وخُمساً آخر اختار مرشحا بميول اسلامية معتدلة لم تدعمه جحافل الجماعة وحافلات شحن الأصوات المعهودة. وسعيد لأن مرشحاً من أقصى اليسار وإن لم يحظ باصوات لكنه أثار الأمل و عرفه الناس.

سعيد لأن قوى اليسار ظنوا انهم إن استلفوامرشحا من عالم مواز- وربما في قلب كل منهم غضاضة بشأنه- فإن الشعب سيتكاتف من خلفه لمرجعيته الإسلامية، ولكن الناس غافلتهم وصوتت بغزارة أكبر لمرشح يساري كان الأقرب لأيدولوچية اليسار ومسلمات أهله من البداية.. وأيضا لا ألوم عليهم.

سعيد لأن الشعبفيما يبدو أكثر ثورية من الثواروحساباتهم الدقيقة.

سعيد بأنني اليوم قد أتحدث بأريحية في ذم أي مرشح اسلامي والجماعة ذاتها مع أي مصري، بدون أن أُتهَم بعداء الدين أو الزندقة. ولم يكن هذا هو الحال منذ سنة.

سعيد لأن شباب حي الطفولة المتدينون بطبعهم، الميالون لثقافة استهلاكية بحتة، وقفوا ساعات يقنعون الناس بمرشحين بميول يسارية وإن تحفظت عليها.. لكن تفاصيل رأيي قد لا تكون مهمة كثيرا في هذا الزخم.

سعيد لأنني أخيرا أعرف معنى كلمة الخيار الثوريالذي يحدثني عنه الرفاق كلما اختلفنا، الانتخابات ليست خيارا ثوريا؟ ربما.. لكن وقوف أمي وزميلاتها المتدينات ساعات لاختيار مرشحين غير اسلاميين هو خيار ثوري، وقوف شباب لم اعرف لهم اهتمامات تتعدى چنوط السيارات يقفون بالمرصاد ضد فلول النظام هو اختيار ثوري، الثورة تتحقق في الشارع في حي خبِرت طرقاته وأُناسه و لم أكن لأظن أنني سأرى الثورة تفور فيه، ربما خياراتهم ليست بطريقة التحرير، لكنه اختيار ثوري عن جدارة وإن أبى الآبون.

سعيد أن المقاطعين أيضا لم يتوقعوا شيئا مما حدث، سعيد لأن ما حدث يجعلنا نتضافر ونكف قليلا عن ذلك التناطح الممل إن أردنا.

سعيد لأنني لن اقبل ما حييت مرشحا من الإثنين، و أعلم انني في اختياري السياسي هذا - وربما لأول مرة منذ التنحي- لست وحدي بين رفقة قلة، بل بين أغلبية ممن صوتوا، و هذه المرة عازمون على قبول بعضنا البعض، وتلاشت التحفظات على المرشحين تحت مظلة الثورة.

سعيد لأن الثورة هي هدف واضح، وإن اختلفت دلالاتها في قلب من يقرأ هذه الأسطر الآن. ولكن تآلفت القلوب على صراط مستقيم أوحد.

سعيد أنني أعرف ان الصناديق ليست بداية نهاية الثورة. ولا بداية عهد جديد، وإنما خطوة لابد منها، ووسيلة لأن نعرف ذواتنا وذوات أهلنا وأقربائنا وأحيائنا بكاملها التي ما كففنا في التنظير عنها في الشبكات الاجتماعية ليلا ونهارا. و أثبت الجميع انهم عكس ما تصورنا.

سعيد أن المصريين يعلموننا كل يوم، وأن من ظن أنه يمكنه تطبيق ما أوتي من علم و ما قرأ من كتب و حضر من محاضرات على هذه الأرض فهو أحمق. أو هي حمقاء.

سعيد لأن الكرة لازالت بالملعب، وفريقنا أثبت أنه أقوى وأشد بأسا ويُستعصَى توقعه أو استقطار معاركه.

سعيد بأن الطريق أقصر مما تصورت..

سعيد بأنني تعلمت أن أسلك نهج الخيال، سعيد أن الناس تأبى أن تنحصر بين اختيارين ساذجين، سعيد أن باستثناء الثوارالذين يلهثون خلف فرض التحالفات الآن، فالملايين تقول أنها لن ترضى إلا بخيارات أرقى وأعم تعبر عن أصواتهم.

سعيد أنني موجود.. و أنني اشهد ذلك.. و أنني لم أخذل الحق..

.. و أنني اتعلم.

Wikipedia: Aleph is the reconstructed name of the first letter of the Proto-Canaanite alphabet, continued in descended Semitic alphabets as Phoenician Aleph, Syriac Aleph, Hebrew Aleph א, and Arabic Aleph ا.

comments
دونها on May 26, 2012 في أشخاص, أماكن ،, تحرير, حملات, عيشتي, مصر

أربع صور من التاريخ

wpid-s_u15_03100427-2012-01-3-21-073.jpg

يناير ١٩٩١- الميدان الأحمر- مئات الآلاف من الروس مطالبين باسقاط الرئيس جورباتشوف.

wpid-s_u17_21930958-2012-01-3-21-073.jpg

اغسطس ١٩٩١ – الميدان الأحمر- الجيش يحتل الميدان والعاصمة موسكو

wpid-s_u23_21934106-2012-01-3-21-073.jpg

آخر اغسطس ١٩٩١ – الميدان الأحمر-الشعب يقف ضد الإنقلاب العسكري ويطالب بالديمقراطية

wpid-s_u29_21934037-2012-01-3-21-073.jpg

آخر اغسطس ١٩٩١ – الميدان الأحمر- الجيش يرفع علم الدولة الجديدة وينسحب مذعنا للشعب

مصادر الصور و الحكاية مختصرة هنا..

comments
دونها on January 3, 2012 في أماكن ،, حريات, مصر, نوستالچيا

ضيف

بدون معرفة سابقة أمسك بيدي في أريحية قلما أصادفها، رفع رأسه من السرير بصعوبة .. قال: “وحياة أبوك.. في ضرب في التحرير…؟”

قلت بعجالة: لا.. خالص، الدنيا هديت من يومين..

كان يبدوا عليه عدم الاقتناع، نظر لأمه التي تقف بجواره فأمنت على ما أقول في صمت.. أعاد رأسه للفراش و نظر لأعلى.. لم يكن مقتنعا كثيرا.

وقفنا بجوار فراشه نحاول الترفيه عنه، كنت أعلم أن لحظاته القليلة معنا هذه هي عالم التحرير الذي افتقده في المستشفى هنا، كنا نعرف جيدا أن كل مريض يجاوره يكيل له ما تجود به نفسه من سخرية واستهزاء، عنبر ضخم ضم ثلاثين مريضا، بعضهم “مصابي التحرير” كما يتم توصيفهم في المستشفى.

محمد ضيف الفتى ابن الخمسة عشر عاما تلقى رصاصة أطلقها ضابط شاب يوم ١٨ ديسمبر. اخترقت الرصاصة احشائه و خرجت من ظهره. محمد ضيف له ستة أيام هنا، محمد ضيف يختلف عن غالبية المرضى المتراصين في عشرات الأسِرة من حوله.

فبينما هو قد خرج للميدان مدافعا عن حقه وحق أهله في حياة كريمة، وصمد في وجه نظام قامع مستبد، كان زملاؤه مرضى العنبر يعانون مع أمراض أخرى أورثها لهم نفس النظام المستبد على مدى عقود، لكن ذلك لم يمنع أولئك “الزملاء” المرضى أن ينظروا لمحمد كمجرم قابع بينهم لا حيلة له. “مصاب من التحرير” هو لفظ سيء السمعة هنا لدرجة تفطر القلوب.

كان جلوسنا مع محمد يوقف ولو بشكل مؤقت سيل التحرشات التي تنهال عليه، اقترب إداري في العنبر، تشمم فينا أننا قد نكون “ولاد ناس” على حد تعبيره، طلب منا صواعق للبعوض و بطاطين كنوع من التبرع. اخبرناه أن الناس تدخن في شرفة العنبر، و صديقنا منزعج.. ابدى تفهما بلا أي حراك.

كان محمد في التحرير معتصما مع المئات. إلى أن أتت إحدي اللحظات السريالية لانقضاض قوات الجيش بكل ما أوتوا من عزم على مواطنيهم. هرب الجميع ركضا إلى ما بعد عمر مكرم. وقف محمد بجوار خيمة عند المجمع، كانت مركز تجمُّعِه مع زملائه الذين قد اختفوا..

قال انه كان قد اشترى بأمواله القليلة “ساوند سيستم” و ميكروفون، ليستخدموه في “الحشد” و دعوة الناس.. وجد الجنود يأتون من العمق حارقين للخيام، وقف بجوار الخيمة.. أتى الضابط نحوه مشهرا مسدسه، صرخ ضيف: والنبي ما تحرق الخيمة، فيها الساوند…

رفع الضابط الشاب مسدسه نحو ضيف، و “شد الأجزاء”.. حينها فقط دار محمد على عقبيه مشتما الخطر للمرة الأولى.

قال: “ما توقعتش انه حيضربني.. قلت بيهوش… جات حاجة في ضهري.. ما وجعتش خالص، افتكرتها طوبة خفيفة اصلا.. كملت جري.. فجأة لقيت وجع رهيب .. بمد ايدي على بطني لقيت دم.. جيت أجس ناحية ضهري لقيت دم بردو وحسيت بالفتحة. عرفت انه ضربني رصاصة. جريت لحد الرصيف و قعدت.. غمضت عيني و قلت: اشهد أن لا إله إلا الله..”

بقى على حاله علي الرصيف يقاوم الإعياء لبضعة دقائق إلى أن أتت سيارة اسعاف سأله قائدها : مالك؟ أجاب: خدت رصاصة.

محمد واحد من عشرات يقبعون في المستشفيات، يعانون كل مساويء النظام الصحي في مصر، إضافة عليه تحرشات الأمن و أشباه الأمن و عبيد الأمن في المستشفى.. و سخرية زملائهم المرضى.

كنت بينما استمع إلى ضيف يحكي مبتسما، وأرى ضحكات وعيون زملائه الساخرة، تذكرت اللصان المصلوبان بجوار المسيح، هم أيضا كانا يعايرانه، و يجدفان.

الآن يرقد ضيف بين أناس كان قاب قوسين أن يفديهم بروحه، وليس من يكترث..

لكن ليس لوقت طويل.. فقلة من يذكرون اللصان المصلوبان فوق الجبل.. و لم يذكر التاريخ تقريبا أيا مما قالا..

ولن يكترث التاريخ كثيرا…

wpid-ScreenShot2011-12-26at10.44.53AM-2-2011-12-22-09-57.jpg

Wikipedia: Ḍād is one of the six letters the Arabic alphabet added to the twenty-two inherited from the Phoenician alphabet.

comments
دونها on December 22, 2011 في أشخاص, أماكن ،, حريات, صور, عيشتي, مصر

Resignation – استقالة

احتجاجا على المارسات القمعية للجيش المصري، و تخاذل الحكومة المستمر، نعلن عن استقالتنا و ايقافنا لكافة المهام الموكلة الينا كأعضاء بمجلس إدارة المركز القومي للسينما.

المخرجون:

أحمد عبد الله السيد

مجدي أحمد علي

يسري نصر الله

In objection to the oppressive measures of the Egyptian Army and the government’s continuous weak stance, we announce our resignation from all tasks assigned to us as Board members of the Egyptian Film Centre.

Film Directors:
Yousry Nasrallah

Magdi Ahmed Ali
Ahmad Abdalla

comments
دونها on November 20, 2011 في Uncategorized, أشخاص, تحرير, حريات, حملات, فنون, مصر

منشورة تحت رخصة المشاع الابداعي.. النسخ والنقل مستحب، نشجع ذكر المصدر