..حول الستائر الزرقاء

ذات صباح منذ بضعة سنوات كنت أجوب الانترنت كعادتي كلما كان لدي عمل لا بد من اتمامه. محاولا حجب شعوري المزعج بالذنب وضرورة الشروع في العمل.. قررت ان افتح بعض الفيديوهات الطائفية العربية، في محاولة لإعلام ذاتي المتململة انني -هكذا- علي ما يرام. طبعا يوتيوب يذخر بما يؤسف من اساطير وسخرية وازدراء من جانب الطوائف لبعضها البعض.

لم يستغرق مني الأمر بضعة دقائق حتى عثرت على فيديو لشيخ عربي يتحدث عن حق الليلة الأولى لدى المسيحيين. و تحدث عن اسطورة سخيفة مفادها أن القساوسة يدخلون بالنساء قبل أزواجهن. و أنه فعل مستباح في عقيدتهم. طبعا لم تكن المرة الأولى التي اسمع بها حكاية كتلك، فمرتي الأولى لسماع هذا الهراء كانت للاسف في المدرسة من قبل أحد المدرسين.

ما أدهشني ما رأيته من تعليقات استحسان على هذا العمل الفذ – لم ابحث عن الفيديو مرة أخرى من حينها ولا أكترث ان كان لايزال موجودا – ولا أذكر انني قرأت راشدا واحدا أبدى استياءه من هذا الكلام أو حاول تصحيحه. حتى ولو من باب نهج سنة النبي في حسن معاملة أهل الذمة. أو تحري الصدق.. فقط كان الفيديو موجودا في أحد أركان الانترنت يراه الناس مسلمين ومسيحيين، شرقا وغربا.

wpid-CowHA-2012-09-12-10-171.jpg

المصدر ويكيبيديا

ما يناله المسيحيون من بعض متعصبي المسلمين الذين اخذوا على عاتقهم تفنيد وهدم المسيحية لسبب أجهله، يمكن مقارنته بما يناله الهندوس مثلا من متعصبي كل الديانات السماوية جمعاء والسخرية من “عبادتهم للأبقار” رغم عدم دقة المعلومة. و ما ينال المجوس “الزارادشتيين” مثلا من كونهم “عبدة النار” رغم عدم صحة المعلومة أيضا. وحدث ولا حرج عن الاساطير التي تحف معرفة الناس عن البهائيين.. فدوما هناك من يتعرض لقشور دين آخر بعيد عنه، و يظن انه يبلي حسنا بنقده و تفنيده بل و السخرية منه و ازدراءه في مكان ما على الأرض.

لا أعلم لماذا يظن كثير من المسلمين أنهم كيان واحد مرصوص. وأنه البتبعية فالغرب الصهيوني هو صليبي في مطلقه وبالتالي هو أيضا كيان واحد مرصوص يقف “لنا” بالمرصاد، ولا أعرف منشأ هذا المعتقد ولكني أراه راسخا في عقول الكثيرين. وشيئا فشيئا أجد لدى الناس رغبة في التحزب والتقوقع داخل جزيرة يأبون إلا ان تصغر عليهم شيئا فشيئا. بحجة أننا سنكون هنا سويا “مسلمون” فلا أعجب ان رأيت البعض يهلل فرحا أو أرى أغبياء تكبر وهي تحطم ممتلكات اقباط في اطفيح او دهشور أو أسوان لا فرق. فروح التحزب تشعرنا أننا على ما يرام. وأننا هكذا أقوى كثيرا.

ما يأبي الكثيرون أن يهضموه هو ان الغرب “بعضه” قد تجاوز ما يسمى بالمقدسات، وعرف أنها كلمة مطاطة خاصة ان احتوى المجتمع عشرات الأديان والأعراق والمهاجرين. و نقد المقدسات بل واستخدامها كمادة لمنتجات فنية او وسيلة للتندر وجلب النكات هو أمر وارد في بلدان عدة له سنوات وعقود، وتنشأ الأطفال مشاهدة ذلك ويترسخ في تعاطيهم مع الشؤون المقدسة طوال حياتهم.

أنا شخصيا رغم كوني مصري عربي فلازلت كلما سمعت قصة الوصايا العشرة وحديث الله تعالى لموسى اتذكر دوما هذا المشهد من فيلم “تاريخ العالم” للمخرج مل بروكس.

وهذا المشهد لم ولن يغير بأي حال معتقدي عن القصة ومدى تبجيلي للنص التوراتي/الانجيلي/القرآني على السواء. فقط أراه مشهد خفيف. لا أكثر ولا أقل.

كوننا نتاج تربية أهالينا.. و أهالينا نتاج تربية نظام شمولي ناصري عتيد، لازلنا نظن -نحن و أهالينا- أنه من الممكن منع ومصادرة كتاب او فيلم أو أغنية وحجبه عن الرأي العام اتقاءا لشيء ما، بل و من الممكن ليس لدينا فقط و انما في دول “الغرب” ان يحذون حذونا ويمارسون منعا ورقابة مسبقة على اعمال قبل ظهورها لانه قد لا يرضى عليها شعب ما على هذا الكوكب البائس، بل والأنكى اننا نعتقد في امكانية ممارسة “الضغط” -الذي تعلمنا أن الوقفات احدى وسائله- لجعل بلدان تغير قوانينها الراسخة التي يعلمون هم جيدا انها سلاح ذو حدين وقد تثمر عن اضرار مجتمعية و أزمات طائفية و عقائدية لديهم..ولكنهم جعلوا لنفسهم عقدا اجتماعيا بينهم يتيح هضمها وتفنيدها والرد عليها في ظل مجتمع أفقه أكثر عراضة.

ولازلت كلما أشاهد لوحة العشاء الأخير. أتذكر نفس الفيلم السابق وهذا المشهد المسيء.

نعرف جميعا أن الأدب قد تجاوز الثوابت المادية للأمم، و كثير من النصوص أعادت قراءة وكتابة المقدسات بدءا من سيدهارتا مرورا بموسى ويسوع، و خرجت للنور نصوص أدبية من صنع بشر تتفاعل و تتقاطع مع نصوص توراتية و انجيلية وبوذية إذ كانت كلها جزء من ثقافة “الغرب”، ولم يتحرج مؤلفون وكُتاب من وضع تصوراتهم وخيالاتهم الخاصة عن حياة موسى والمسيح حتى وإن وطئوا فلسفاتهم وقاموا بتفكيكها .. أو ان تعرضوا للحياة الجنسية لبوذا مثلا. ولم اشعر في اية لحظة أن نص مثل هذا أو ذاك قد يشكل “خطرا” على مسلماتي الفلسفية والدينية، بالعكس كانت هذه النصوص دوما مادة لاثراء رؤيتي الخاصة لنصوص دينية واخرجها من القالب الجامد لعالم أكثر مرونة وتفاعلا. وربما منطلق لنقاشات جادة. ولم أجد خطرا على عقيدتي ولم أجد ان علي حماية أي شيء من أي أحد. عكس مايحدث حولنا الآن.

الآن قد تجد محاذير رهيبة عند حديث الاعلام عن قصص دينية/تاريخية بعينها رغبة في حماية “الناس” من البلبلة. و قد تجد وزارة الأواقاف تمنع السينمائيين من التصوير في الجوامع لعل في الفيلم ما لن يرضوا عنه. وتجاهلوا تماما ان الجامع “بصريا” ماهو إلا اربعة حوائط مفروشة سجادا يمكن لأي شخص افتعاله في أي مكان و تصوير اكثر المشاهد اساءة بعيدا عن أعينهم هم من ظنوا انهم بالمنع سيوقفون اي شبهة لإساءة. و أرى ذلك أمر جل محزن.

يمكن لأي شخص بجهاز كمبيوتر متواضع و كاميرا محمول و ستارة زرقاء ان يصنع فيلما و يجعل أبطاله يفعلون أي شيء ويسيرون في أي بقعة في الأرض أو أي تاريخ زمني. بعض هؤلاء الناس ممن لديهم هذه الامكانيات مرضى، و بعضهم محمل بكراهية عتيدة، وبعضهم يستمتع بتجريح عقائد اخرى كما حدث منذ بضعة أيام.

و لكن هؤلاء الناس موجودون. يعيشون في كافة بقع الأرض: أمريكا أو اسرائيل أو البرازيل أو حتى مصر. و سيستمرون في بث هذا الخراء و يجدونها وسيلة جيدة للمناكفة و تكدير “المسلمين” . الازمة ليست في وجودهم او في أية دولة هم أو في تعاطيهم مع مقدسات الغير. الأزمة في تعاطينا نحن مع هذا النهج الذي سيستمر بفضل التكنولوجيا والمجتمعات المفتوحة التي لا سبيل إلى إغلاقها.

الحل؟ لا تكتب “بن لادن” على بوابة سفارة الأمريكان.

الحل أن تصنع أفلامك..

comments

2 Responses to ..حول الستائر الزرقاء

  1. الجريدة أخبار مصر November 1, 2012 at 5:04 PM #

    Thanks :)
    Good work ;)

Leave a Reply


*

منشورة تحت رخصة المشاع الابداعي.. النسخ والنقل مستحب، نشجع ذكر المصدر